Legal blog
حقوق المرأة المطلقة في السفر بالمحضون

ومن المستقر عليه أن الحضانة في مفهومها القانوني لا تعني مجرد الإقامة مع الطفل، وإنما تشمل حفظه ورعايته والقيام بشؤونه اليومية من مأكل وملبس وتعليم وتوجيه، بينما تختلف الولاية في جوهرها، إذ تمثل سلطة قانونية أوسع تتعلق بالإشراف العام على حياة الطفل، بما في ذلك القرارات المصيرية مثل التعليم والسفر وإدارة الأموال، وغالبًا ما تكون هذه الولاية للأب، وهو ما يخلق بطبيعته حالة من التداخل عند بحث مسألة سفر المحضون، حيث إن الحاضنة ترغب في التنقل بالمحضون، بينما يتمسك الولي بحقه في الموافقة أو الاعتراض.
ولذلك فقد استقر الفقه والقضاء في دولة الإمارات على قاعدة عامة مفادها أن سفر الحاضنة بالمحضون خارج الدولة لا يكون جائزًا إلا بموافقة الولي، أو بإذن قضائي يصدر عن المحكمة المختصة، ويقوم هذا الأصل على اعتبارات عدة، أهمها حماية حق الأب في رؤية طفله وعدم حرمانه منه، وضمان عدم تعريض الطفل لخطر الاستقرار خارج نطاق الولاية القضائية بما قد يؤدي إلى صعوبة تنفيذ الأحكام، أو انقطاع العلاقة بين الطفل وأبيه.
وفي هذا السياق، فإن موافقة الأب تُعد الطريق الأسهل والأسرع لسفر الحاضنة بالمحضون، إذ إذا صدرت هذه الموافقة بشكل صريح وواضح، سواء كانت مكتوبة أو موثقة أو حتى ثابتة بأي وسيلة معتبرة قانونًا، فإن الحاضنة تتمكن من السفر دون الحاجة إلى اللجوء إلى القضاء، ويكون ذلك السفر مشروعًا ولا يترتب عليه أي مسؤولية قانونية، ما دام في حدود ما تم الاتفاق عليه، من حيث المدة والغرض.
أما في حالة رفض الأب منح الإذن بالسفر، فإن الطريق القانوني المتاح أمام الحاضنة يتمثل في رفع دعوى أمام المحكمة المختصة بطلب الإذن بالسفر بالمحضون، وهنا تتدخل السلطة القضائية لتقدير الموقف، وليس بناءً على رغبة أحد الطرفين فقط، وإنما وفق معيار موضوعي يتمثل في مصلحة الطفل الفضلى، والتي تُعد المعيار الحاكم في كافة مسائل الأحوال الشخصية المتعلقة بالأطفال.
وتنظر المحكمة في مثل هذه الدعاوى إلى عدة اعتبارات مترابطة، حيث تبحث في سبب السفر، وما إذا كان الغرض منه مشروعًا وجديًا، مثل العلاج أو الدراسة أو زيارة الأقارب، كما تنظر إلى مدة السفر، وهل هو مؤقت أم دائم، إذ إن السفر المؤقت غالبًا ما يكون أقرب إلى القبول، بخلاف السفر الدائم الذي يثير مخاوف جدية تتعلق بانقطاع صلة الطفل بوالده، كما تدرس المحكمة مدى وجود ضمانات تكفل عودة الطفل إلى الدولة، مثل وجود عمل مستقر للأم داخل الدولة، أو إقامة دائمة، أو ارتباطات قانونية تمنعها من الاستقرار خارجها.
وفي ضوء هذه المعايير، قد تقضي المحكمة بالسماح بالسفر، وقد ترفض الطلب إذا رأت أن في السفر ضررًا على الطفل أو على حق الأب، كما قد تقرر الموافقة المشروطة، وهو ما يعد من أبرز مظاهر المرونة في القضاء الإماراتي، حيث لا يقتصر دور المحكمة على القبول أو الرفض، وإنما يمتد إلى وضع ضوابط دقيقة تحقق التوازن بين الحقوق.
ومن بين أهم الضمانات التي تلجأ إليها المحاكم في هذا الشأن، فرض كفالة مالية على الحاضنة، تكون بمثابة ضمان لإعادة الطفل، وتحديد مدة السفر بشكل دقيق، بحيث لا يكون مفتوحًا، وإلزام الحاضنة بتقديم ما يثبت حجز تذاكر العودة، أو تقديم تعهد رسمي بعدم تغيير محل إقامة الطفل أو إدخاله في نظام تعليمي دائم خارج الدولة دون موافقة الأب، وكل هذه الإجراءات تهدف إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالسفر، دون حرمان الحاضنة من حقها المشروع.
وفي المقابل، فإن للأب الحق في اتخاذ إجراءات قانونية لمنع سفر الطفل إذا توافرت لديه مبررات جدية لذلك، حيث يمكنه التقدم بطلب مستعجل إلى المحكمة لإصدار قرار بمنع السفر، أو إدراج اسم الطفل على قوائم المنع في المنافذ، خاصة إذا كان هناك خوف حقيقي من تهريب الطفل أو عدم إعادته، أو إذا كانت هناك نزاعات قائمة بين الطرفين تشير إلى احتمالية إساءة استخدام حق الحضانة.
وقد استقر القضاء الإماراتي في العديد من أحكامه على أن الحضانة ليست وسيلة للإضرار بالولي، ولا يجوز للحاضنة أن تستغل وجود الطفل معها لفرض واقع جديد يحرمه من والده، كما أكد على أن الولاية لا تعني التحكم المطلق في حياة الطفل، وإنما يجب ممارستها في إطار يحقق مصلحته، وهو ما يعكس فلسفة قانونية قائمة على التوازن والاعتدال.
ومن المسائل الجوهرية التي تثار في هذا السياق، التفرقة بين السفر المؤقت والسفر الدائم، حيث إن الأول يكون عادة لغرض محدد ومؤقت، مثل العلاج أو السياحة أو زيارة الأقارب، وغالبًا ما تتجه المحاكم إلى السماح به متى توافرت الضمانات، أما السفر الدائم، الذي يتضمن تغيير محل الإقامة إلى دولة أخرى بشكل مستقر، فإنه يواجه قيودًا صارمة، نظرًا لما يترتب عليه من آثار عميقة، منها صعوبة تنفيذ أحكام الرؤية، واحتمال انقطاع التواصل بين الطفل ووالده، فضلًا عن اختلاف الأنظمة القانونية بين الدول.
وفي هذا الإطار، فإن مجرد رغبة الأم في تحسين ظروفها المعيشية أو الزواج من شخص يقيم خارج الدولة، لا يُعد سببًا كافيًا بذاته للسماح بالسفر الدائم بالمحضون، ما لم يثبت أن ذلك يحقق مصلحة حقيقية للطفل تفوق الضرر المحتمل، وهو أمر يخضع لتقدير دقيق من المحكمة.
ومن ناحية أخرى، فإن سفر الحاضنة بالمحضون دون إذن الأب أو دون حكم قضائي يُعد مخالفة قانونية قد يترتب عليها آثار خطيرة، منها تعرضها لدعوى إسقاط الحضانة، أو اتخاذ إجراءات جنائية في بعض الحالات، خاصة إذا اقترن ذلك بسوء نية أو محاولة إخفاء الطفل، كما قد يؤدي إلى فقدان ثقة المحكمة فيها مستقبلاً عند نظر أي طلبات أخرى.
كما أن امتناع الحاضنة عن إعادة الطفل بعد انتهاء مدة السفر المصرح بها، يُعد إخلالًا جسيمًا بالالتزامات القانونية، وقد يؤدي إلى تشديد الإجراءات ضدها، بل وقد يُفسر كدليل على عدم أهليتها للاستمرار في الحضانة، وهو ما يبرز أهمية الالتزام التام بالقرارات القضائية.
أما بالنسبة للسفر داخل الدولة، فإنه لا يثير نفس الإشكاليات، حيث يُعد من الأمور الداخلة في نطاق الحضانة، ولا يحتاج إلى موافقة الأب، ما دام لا يؤثر على حقه في الرؤية أو المتابعة، وهو ما يعكس التمييز الواضح بين السفر الداخلي والخارجي في النظام القانوني.
وفي سياق المقارنة بين الحضانة والولاية، يتضح أن الأولى تتعلق بالجوانب اليومية لحياة الطفل، بينما ترتبط الثانية بالقرارات الكبرى، ومن ثم فإن مسألة السفر تقع في منطقة مشتركة بينهما، وهو ما يبرر اشتراط موافقة الولي أو تدخل القضاء، منعًا للتعارض أو التعسف.
وقد شهدت التشريعات الإماراتية تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، حيث تم تعزيز مبدأ مصلحة الطفل الفضلى، وإعطاء القضاء سلطة تقديرية أوسع، بما يسمح له بالتعامل مع كل حالة وفق ظروفها الخاصة، بعيدًا عن الجمود، وهو ما يتماشى مع الاتجاهات الحديثة في قوانين الأسرة على مستوى العالم.
وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول إن النظام القانوني في دولة الإمارات قد نجح إلى حد كبير في تحقيق توازن دقيق بين حقوق الأم الحاضنة والأب الولي، مع وضع مصلحة الطفل في المقام الأول، وهو ما يتجلى في القواعد المنظمة لسفر المحضون، والتي تقوم على مبدأ المنع كأصل، والإباحة كاستثناء مشروط، يخضع لرقابة القضاء وضوابطه.
ولا شك أن الوعي القانوني لدى الأطراف يلعب دورًا مهمًا في تجنب النزاعات، حيث إن التعاون بين الأبوين، وتقديم مصلحة الطفل على الخلافات الشخصية، يمكن أن يختصر الكثير من الإجراءات، ويجنب الجميع آثار النزاع، خاصة في ظل وجود آليات قانونية مرنة تسمح بالاتفاقات الودية وتوثيقها.
وفي الختام، فإن مسألة سفر المرأة المطلقة بالمحضون تظل من المسائل التي تتطلب تعاملًا قانونيًا واعيًا ودقيقًا، حيث لا يكفي الاعتماد على الحق المجرد، وإنما يجب النظر إلى الظروف المحيطة، والالتزام بالإجراءات القانونية، والحرص على تحقيق التوازن بين الحقوق، بما يضمن في النهاية حماية الطفل، باعتباره الطرف الأضعف والأولى بالرعاية.
كُتب بواسطة:
محمد سالم الكعبي | محمد سالم الكعبي للمحاماة والاستشارات القانونية
Currently, there is no information to display in this section.
This publication is for general information purposes only. It does not purport to provide comprehensive full legal or other advice.
Legal Advice Middle East and the contributors accept no responsibility for losses that may arise from reliance upon information contained in this publication. This publication is intended to give an indication of legal issues upon which you may need advice.
Full legal advice should be taken in due course from a qualified professional when dealing with specific situations.




